يوسف المرعشلي
1195
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
يعلن أفكاره في مقالات وأحاديث ينشرها في مختلف الصحف الصادرة في أوائل هذا القرن كالمقتبس ، والمفيد ، والاتحاد ، والأحوال ، ولسان الحال ، والثبات ، وفتى العرب ، والفتى العربي ، ومضمونها يدور حول مطالبة الحكومة العثمانية بالإصلاح الاجتماعي والإداري ، مع وصف أحوال البلاد الشامية ، وتخلّفها ، وتقاعس الحكومة عن واجباتها . ولهذا كان يريد أن يكون الدين قويا والأمة متيقظة كما كان الشأن عليه أيام السلف . وكانت كتاباته تتصف بالجرأة والقوة ، ولم تخل في كثير من الأحيان من العنف والشدة ، فهو يطالب بإصلاح قانون الانتخاب ؛ ليكون ممثلو الشعب أصدق تمثيلا له مما كان عليه الحال ، وليكونوا أقدر على مراقبة صرف الأموال العامة ، وإجراءات جبايتها بعد أن استشرى التبذير والاختلاس بين كبار موظفي الدولة ؛ فلاقت كتاباته صدى مستحبّا لدى الناس . وقف ضد ترجمة القرآن الكريم إلى التركية ، ونبّه على استحالة ذلك مبينا إعجاز القرآن الكريم في بيانه العربي . كما هاجم الدعوة إلى إصلاح الكتابة العربية « 1 » متعجبا من الجرأة على كتاب اللّه تعالى ، ومن التسرّع بطبع جزء « عم » على الخط الجديد بالحروف المقطعة المفصولة بعضها عن بعض بالأحرف الصوتية النائبة عن الحركات المشابهة للأحرف اللاتينية ، ولم يحسن الظن بها لأنه رآها مثل ترجمة القرآن دعوة إلى التتريك . قلنا : إن المترجم تأثر بشيخه طاهر الجزائري ؛ لكنه لم يتأثر به في عدم العناية بهندامه بل كان يتزين للناس ، ويأكل الطيب ، ويلبس الجديد ، وكان تأثره بشيخه في عزوفه عن الزواج ، وفي الغرق مثله بالكتب والاهتمام بالتأليف ، وكان لطيف المجلس حلو النكتة ، له عدد من المؤلفات وقف على طبع بعضها بنفسه بينما ترك بعضها مخطوطا ومنها : - « رسالة البرهان على حظر ترجمة القرآن » . ( كان أرسلها لتنشر مجزأة في مجلة المقتبس لصديقه محمد كرد علي ، ولكن المجلة أغلقت ) . ويقول الباني تعليقا على ما قدر بعدم نشرها : « لأن هذه الرسالة لو نشرت حينئذ مع التصريح بالتوقيع الصريح كما أنفذتها لسجل عليّ محصلو السيئات في صحيفة اليسار زلة لا تكفّرها إلا حبال المشانق » . - « تنوير البصائر بسيرة الشيخ طاهر » . - « مذكرات » . توفي بدمشق 18 شوال سنة 1351 ه . محمد سعيد البرهاني « * » ( 1311 - 1386 ه ) العلامة الفقيه الأصولي الصوفي ، المشارك بالعلوم : محمد سعيد بن عبد الرحمن بن محمد سعيد بن مصطفى بن محمد بن علي بن ولي بن محمد بن نبي جان ، البرهاني ، الداغستاني . ولد في دمشق بسويقة صاروجا بمنزل والده ( زقاق النوفرة ) لأبوين صالحين فقيرين ، ونشأ في حجرهما ، وورث عنهما الفضائل . وهو من أسرة البرهاني المعروفة في الشام سابقا ببيت الداغستاني أو الطاغستاني ؛ نسبة إلى داغستان الولاية الروسية الواقعة في جهة بحر قزوين . قدم جدّ الأسرة الأول علي الداغستاني إلى دمشق سنة 1150 ه ، واستوطنها ، وأعقب ذرية سميت فيما بعد بالبرهاني ؛ لأنّ أحد أفرادها كان قوي الحجة ذا برهان ساطع فنسبت الأسرة إليه .
--> ( 1 ) قام بالدعوة إلى إصلاح الحروف العربية مدير كلية الطب في دمشق إسماعيل حقي اليلاسي ، وأسس سنة 1330 ه جمعية باسم ( تعميم معارف وإصلاح حروف جمعيتي ) يتلخص مشروعه أن تفصل حروف الكلمة الواحدة على أن يلحق بكل حرف منها أحد حروف المدّ بحسب حركته ، مع وضع علامات للمدّ وغيره من صور اللفظ ؛ مما يجعل الكتابة - وإن حافظت على رسم الحروف العربية - تأخذ شكل الكتابة بالأحرف اللاتينية غير الموصولة ، وأنجزت الجمعية طباعة جزء « عم » بالشكل الجديد من هذه الحروف التي كانت تعمل على نشرها وتعميمها في سائر أنحاء الدولة . ( * ) انظر : ( كتاب « أربعون عاما في محراب التوبة » ، رياض المالح ، وكتاب « محمد سعيد البرهاني » ، أحمد عادل خورشيد ، و « تاريخ علماء دمشق » : 2 / 794 ) .